الحلبي

403

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أهريق في الإسلام ، ثم دخل صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه مستخفين في دار الأرقم : أي بعد هذه الواقعة ، فإن جماعة أسلموا قبل دخوله صلى اللّه عليه وسلم دار الأرقم ، ودار الأرقم هي المعروفة الآن بدار الخيزران عند الصفا ، اشتراها الخليفة المنصور وأعطاها ولده المهدي ، ثم أعطاها المهدي للخيزران أم ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد ، ولا يعرف امرأة ولدت خليفتين إلا هذه ، وولادة جارية عبد الملك بن مروان ، فإنها « أم الوليد وسليمان » . وقد روت الخيزران عن زوجها المهدي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من اتقى اللّه وقاه كل شيء » . فكان صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يقيمون الصلاة بدار الأرقم ، ويعبدون اللّه تعالى فيها إلى أن أمره اللّه تعالى بإظهار الدين : أي وهذا السياق يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم استمر مستخفيا هو وأصحابه في دار الأرقم إلى أن أظهر الدعوة ، وأعلن صلى اللّه عليه وسلم في السنة الرابعة : أي وقيل مدة استخفائه صلى اللّه عليه وسلم أربع سنين وأعلن في الخامسة . وقيل أقاموا في تلك الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون . وقد يقال الإقامة شهرا مخصوصة بالعدد المذكور ، فلا منافاة ، وإعلانه صلى اللّه عليه وسلم كان في الرابعة أو الخامسة بقوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) [ الحجر : الآية 94 ] وبقوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) [ الشعراء : الآية 214 ] أي أظهر ما تؤمر به من الشرائع ، وادع إلى اللّه تعالى ، ولا تبال بالمشركين ، وخوّف بالعقوبة عشيرتك الأقربين وهم بنو هاشم وبنو المطلب : أي وبنو عبد شمس وبنو نوفل أولاد عبد المطلب بدليل ما يأتي . قال بعضهم : آية فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : الآية 94 ] اشتملت على شرائط الرسالة وشرائعها وأحكامها وحلالها وحرامها . وقال بعضهم : إنما أمر بالصدع لغلبة الرحمة عليه صلى اللّه عليه وسلم . قال : ذكر بعضهم أنه لما نزل عليه صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) [ الشّعراء : الآية 214 ] اشتد ذلك على النبي صلى اللّه عليه وسلم وضاق به ذرعا : أي عجز عن احتماله فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته حتى ظن عماته أنه شاك : أي مريض ، فدخلن عليه عائدات ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما اشتكيت شيئا لكن اللّه أمرني بقوله : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) [ الشّعراء : الآية 214 ] فأريد أن أجمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى اللّه تعالى ، قلن : فادعهم ولا تجعل عبد العزى فيهم ، يعنين عمه أبا لهب ، فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه ، وخرجن من عنده صلى اللّه عليه وسلم : أي وكني عبد العزى بأبي لهب لجمال وجهه ونضارة لونه كأن وجهه وجبينه ووجنتيه لهب النار : أي خلافا لما زعمه بعضهم أن ولده عقير الأسد أو ولد آخر غيره كان اسمه لهبا . قال في الإتقان : ليس في القرآن من الكنى غير أبي لهب ولم يذكر اسمه وهو عبد العزى أي الصنم ، لأنه حرام شرعا ، هذا كلامه وفيه أن الحرام وضع ذلك لا استعماله .